يؤكد الدكتور زيسيس مارماريليس أن أزمة الطاقة العالمية التي فجّرها إغلاق مضيق هرمز كشفت هشاشة الاعتماد على الوقود الأحفوري، حيث تظل الأسعار مرتفعة بفعل اضطراب الإمدادات وتضرر منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال، ما يفرض على أوروبا تسريع الانتقال نحو الطاقة النظيفة وتقليل انكشافها أمام الصدمات الجيوسياسية.


ينقل تحليل تشاتام هاوس صورة واضحة عن تصاعد الضغوط على أسواق الطاقة، إذ تدفع أوروبا كلفة أعلى للواردات مع اشتداد المنافسة العالمية، بينما ترتفع معدلات التضخم وتتراجع توقعات النمو، ما يبرز غياب الاستقلالية الطاقية كأحد أبرز نقاط الضعف في الاقتصاد الأوروبي.


أزمة الطاقة تعيد رسم الأولويات


تكشف الأزمة أن الاعتماد على مسارات شحن حيوية مثل مضيق هرمز يعرّض الأسواق لهزات متكررة، حتى مع احتمالات إعادة فتحه. تظل تكاليف التأمين مرتفعة وتراقب إيران حركة الملاحة، بينما تستمر تداعيات الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في الخليج، ما يقيّد الإمدادات ويضغط على الأسعار.


تواجه أوروبا وضعًا معقدًا رغم اعتمادها المحدود نسبيًا على غاز الخليج، إذ يؤدي نقص الإمدادات عالميًا إلى رفع الأسعار داخل القارة نتيجة المنافسة مع آسيا. تدفع هذه الديناميكيات الحكومات الأوروبية إلى إعادة التفكير في استراتيجيات الطاقة، ليس فقط من زاوية التكلفة، بل من زاوية الأمن والاستقرار الاقتصادي.


تسعير الكربون كأداة استراتيجية


يدفع الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز أدوات السوق لمواجهة الأزمة، وفي مقدمتها تسعير الكربون عبر نظام تداول الانبعاثات. يفرض هذا النظام سقفًا للانبعاثات ويجبر المنتجين على شراء حصص مقابل الكربون المنبعث، ما يحفّز الاستثمار في الطاقة النظيفة ويقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري.


يثبت هذا النهج فعاليته عبر خفض الانبعاثات بشكل ملحوظ منذ إطلاقه، كما يساهم في تقليل واردات الطاقة التقليدية على المدى الطويل. ورغم تأثيره المحدود في رفع أسعار الكهرباء مؤقتًا، يخلق حوافز قوية للتحول إلى مصادر أكثر استدامة، ما يؤدي في النهاية إلى استقرار الأسعار.


تولّد عائدات تسعير الكربون موارد مالية يمكن توجيهها لدعم الفئات الأكثر تضررًا أو تمويل مشاريع الطاقة النظيفة، ما يجعل هذه الأداة ليست بيئية فقط، بل اقتصادية أيضًا. كما يساهم هذا النظام في تسريع التخلي عن الفحم، الذي يحمل تكاليف بيئية وصحية مرتفعة.


انقسام أوروبي وتحديات التنفيذ


تكشف النقاشات داخل أوروبا عن انقسام واضح حول مستقبل سياسات الكربون، حيث تدعو بعض الدول إلى تخفيف القيود لحماية القدرة التنافسية الصناعية، بينما ترفض دول أخرى أي تراجع عن الالتزامات المناخية. يعكس هذا التباين صراعًا بين الاعتبارات الاقتصادية قصيرة الأجل والأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل.


تحاول المفوضية الأوروبية موازنة هذه الضغوط عبر حزمة “AccelerateEU”، التي تطرح إجراءات لتقليل التكاليف وتعزيز التنسيق، لكنها تظل غير ملزمة، ما يحد من تأثيرها الفعلي. في المقابل، تتجه بعض الدول إلى سياسات وطنية منفردة، مثل دعم الغاز، ما قد يعرقل التحول.


بين الاحتياجات العاجلة والتحول طويل المدى


تحتاج أوروبا في المدى القصير إلى الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب، خاصة مع السعي للتخلص من الاعتماد على الطاقة الروسية. ساعدت البنية التحتية الجديدة على تخفيف الصدمة، لكن الاعتماد المستمر على الواردات يبقي المخاطر قائمة، خصوصًا مع ارتباط الأسواق الأوروبية بالسياسات الأمريكية.


على المدى الطويل، يبرز التحول إلى الطاقة النظيفة كخيار لا مفر منه. يقلل هذا التحول من التعرض لتقلبات الأسواق العالمية، ويحافظ على العوائد داخل الاقتصادات الأوروبية، ويعزز القدرة التنافسية الصناعية. لكن نجاحه يعتمد على الاستثمار في البنية التحتية، وتوسيع استخدام الكهرباء، وتوفير التمويل اللازم للمشروعات.


يدفع الواقع الحالي أوروبا إلى إعادة صياغة نموذجها الطاقي بالكامل، حيث لم تعد المسألة مجرد انتقال بيئي، بل تحوّلت إلى ضرورة استراتيجية تمس الأمن الاقتصادي والسياسي. تشير الأزمة بوضوح إلى أن تسعير الكربون، رغم الجدل حوله، يظل أحد أكثر الأدوات كفاءة لدفع هذا التحول وضمان استدامته.

 

https://www.chathamhouse.org/2026/04/strait-hormuz-energy-crisis-shows-eus-carbon-pricing-right-approach